ابن قيم الجوزية
156
الروح
وهذا من أحسن الكلام ، وهو دليل على معرفة قائله وبصيرته بالأرواح وأحكامها . وأنت ترى الرجل يسمع العلم والحكمة وما هو أنفع شيء له ، ثم يمر بباطل ولهو من غناء وشبهة أو زور أو غيره فيصغي إليه ، ويفتح له قلبه حتى يتأدى إليه ، فيتخبط عليه ذلك الذي سمعه من العلم والحكمة ، ويلتبس عليه الحق بالباطل فهكذا شأن الأرواح عند النوم ، وأما بعد المفارقة فإنها تعذب بتلك الاعتقادات والشبه الباطلة التي كانت حظها حال اتصالها بالبدن ، وينضاف إلى ذلك عذابها بتلك الإرادات والشهوات التي حيل بينهما وبينها ويضاف إلى ذلك عذاب آخر ينشئه اللّه ولبدنها من الأعمال التي اشتركت معه فيها ، وهذه هي المعيشة الضنك في البرزخ والزاد الذي تزود به إليه . والروح الزكية العلوية المحقة التي لا تحب الباطل ولا تألفه بضد ذلك كله ، تنعم بتلك الاعتقادات الصحيحة والعلوم والمعارف التي تلقتها من النبوة وتلك الإرادات والهمم الزكية ، وينشئ اللّه سبحانه لها من أعمالها نعيما ينعمها به [ في ] « 1 » البرزخ فتصير لها روضة من رياض الجنة ولتلك حفرة من حفر النار . فصل [ هل الأرواح في السماء ؟ ] وأما قول من قال : أرواح المؤمنين عند اللّه تعالى ولم يزد على ذلك ، فإنه تأدب مع لفظ القرآن حيث يقول اللّه عز وجل : بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ « 2 » . وقد احتج أرباب هذا القول بحجج ( منها ) ما رواه محمد بن إسحاق الصنعاني حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : إن الميت إذا خرجت نفسه يعرج بها إلى السماء حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها عز وجل ، وإذا كان الرجل السوء يعرج بها إلى السماء فإنه لا يفتح لها أبواب السماء فترسل من السماء فتصير إلى القبر . هذا إسناد لا تسأل عن صحته وهو في مسند أحمد وغيره .
--> ( 1 ) زيدت على المطبوع لوضوح العبارة . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية 169 .